نخبة من الأكاديميين
879
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
مروراً بعدد من الموجودات العليا . ولكنه علة غائية في ما يعني أن الإنسان ، إذا ما أغنى نفسه بالمعقولات ، يحقق ماهيته فعلًا - في حال ما إذا كان وجود العالم ، بوجه أعم ، منسجماً ، بأفضل ما يمكن ، مع صورة للخير في العقل الإلهي . نجد أن هنالك ، تتابعاً بوجه عام ، في حالة العلية " الكلاسيكية " : فكرة الغاية تسبق التحقق الملموس للوسيلة التي تسمح ، في لحظة ثالثة ، بالتحقق الملموس للغاية . إن منطق الصدور يجعل الزمان محايداً . وعليه ينبغي أن نسلم بالوجود المتزامن لشيئية العالم الذي يعمل كعلة غائية ( ورئيسية ) ولوجوده الذي يعمل كعلة فاعلة للتحقق الملموس للخير . وهذا الخير هو أصلح ما يمكن بما هو فيض عن الله . وعلى الرغم من كون الوجوبية ( necessitarisme ) السينوية لا تقبل الانزلاق نحو وصف إنتاج العالم على أنه خيار إلهي بين عدة عوالم ، فإن الترجمة " البشرية " للفيض هي هذه الصيغة بالذات . ولكن لو كان هذا العالم ( الأصلح ) وحده موجوداً ، نكون إزاء ما يشبه شيئية كل عالم ممكن . بتعبير أدق ، تكون هنالك شيئية لكل عالم ممكن فيما لو وجد عقل قادر ، في آن معاً ، كما هو شأن العقل البشري ، على مقارنة عدة أشياء لاختيار أصلحها ، وقادر ، كما هو شأن العقل الإلهي ، على أن يدرك الموضوع - العالم مباشرة في جميع علاقاته . وعليه ، نكون هنا في غاية القرب من نظرية معتزلية في الشيء . والنتيجة ، في ما يخص هذه النقطة ، أن العقلانية الجبرية الجديدة سمحت لابن سينا أن ينسب حداً من الوجود للشيء بما هو كذلك ، أي للعالم في العقل الإلهي ، أي باختصار ، أن يجعل من فكرة العالم في العقل الإلهي شيئاً آخر غير مجرد مفهوم ، من جهة ( لأنها ليست مجرد تجريد ) ، وغير مجرد مثال أفلاطوني ، من جهة أخرى ( لأنها تمتلك ، وجوباً ، تجسداً في الوجود الطبيعي ) . ولكنها سمحت له أيضاً أن يتصور الموجود بما هو موجود بذاته وحائز بشكل كامل على صورة الفكرة الإلهية التي يحققها . وإليكم كيف يصف ابن سينا هذا الفيض : " وقد صح لنا في ما قدمناه من القول أن الواجب الوجود بذاته واحد ، وأنه ليس بجسم ولا في جسم ولا منقسم بوجه من الوجوه ، فإذن الموجودات كلها وجودها عنه ، ولا يجوز أن يكوَّن له مبدأ بوجه من الوجوه ، ولا سبب ، لا الذي عنه ، ولا الذي فيه أو به يكون ، ولا الذي له ، حتى يكون لأجل شيء ، فلهذا لا يجوز أن يكون كون الكل عنه على سبيل قصد منه كقصدنا لتكوين الكل ولوجود الكل فيكون قاصداً لأجل شيء غيره وهذا الفصل قد فرغنا من تقريره في غيره ؛ وذلك فيه أظهر ، ونخصه من بيان امتناع أن يقصد وجود الكل عنه أن ذلك يؤدي إلى تكثره في ذاته ؛ فإنه حينئذ يكون فيه شيء بسببه يقصد ، وهو معرفته وعلمه لوجوب القصد أو استحبابه أو خيرية فيه توجب ذلك ، ثم قصد ، ثم فائدة يفيدها إياه القصد على ما أوضحنا قبل ، وهذا محال ؛ وليس كون الكل عنه على سبيل الطبع بأن يكون وجود الكل عنه لا بمعرفة ، ولا لرضى منه ، وكيف يصح هذا وهو عقل محض يعقل ذاته ؟ فيجب أن يعقل أنه يلزمه وجود الكل عنه ، لأنه لا يعقل ذاته إلا عقلًا محضاً ومبدأً أولًا ، وإنما يعقل وجود الكل عنه على أنه مبدئه وليس في ذاته مانع أو كاره لصدور الكل عنه ، وذاته عالمة بأن كماله وعلوه بحيث يفيض عنه الخير ، وأن ذلك من لوازم ذاته المعشوقة له لذاتها ، وكل ذات يعلم ما يصدر عنه ، ولا تخالطه معاوقة ما ، بل يكون على ما أوضحنا بيانه ؛ فإنه راض بما يكون عنه ؛ فالأول